الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

127

مناهل العرفان في علوم القرآن

الشبهة الثانية ودفعها : يقولون : إن الفعل الذي ينسخ طلبه قبل التمكن من امتثاله . إما أن يكون مطلوبا وقت ورود النسخ أولا فإن كان مطلوبا وقت ورود النسخ أدى ذلك إلى توارد النفي والإثبات على شئ واحد ، وهو محال وإن لم يكن الفعل مطلوبا وقت ورود النسخ فلا نسخ ، لأن النسخ لا بد لتحققه من حكم سابق يرد عليه ويرفعه . والفرض هنا أنه ورد والحكم مرتفع . وندفع هذه الشبهة ( أولا ) بأن الفعل لم يكن مطلوبا وقت ورود الناسخ . ولكن هذا لا ينفى حقيقة النسخ كما زعموا بل هو المحقق له ؛ لأن النسخ كالعلة في ارتفاع الحكم ، والمعلول مقارن للعلة في الزمن ، وإن تأخر عنها في التعقل فالحكم إذن لا بد أن يرتفع عند ورود الناسخ بسبب وروده ، وإلا لم يعقل النسخ . ( ثانيا ) أن هذه الشبهة تجرى في كل صورة من صور النسخ ، وحينئذ لا مفر لهم من إحدى اثنتين : أن يمنعوا النسخ مطلقا ، مع أنهم لا يقولون به ، أو يكونوا في شبهتهم هذه مبطلين . الشبهة الثالثة ودفعها : يقولون : إذا قال الشارع : « صوموا غدا » لزم أن يكون صوم الغد حسنا وفيه مصلحة ، فإذا نهى عنه قبل مجىء الغد لزم أن يكون قبيحا فيه مفسدة واجتماع الحسن والقبح في شئ واحد في آن واحد محال . وندفع هذه الشبهة ( أولا ) بأنها قامت على أساس باطل ، هو قاعدة الحسن والقبح العقليين . وتقرير بطلان هذه القاعدة معروف عند الأشاعرة من أهل السنة . ( ثانيا ) أن نهى الشارع عن الشيء المطلوب قبل التمكن من أدائه ، يتبين منه أن ذلك الشيء قبيح عقلا متى نهى اللّه عنه . أما طلبه قبل ذلك فلا يدل على حسنه هو ، إنما يدل على حسن ما اتصل به مما استلزمه ذلك الطلب ، وهو إيمان العباد به ، واطمئنان